الطبراني
192
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وَأَصْلِحْ ؛ فيما بينهم ، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( 142 ) منهم ، ولا ترض بعملهم ، وذلك أنّ موسى كان يشاهد كثرة خلافهم حالا بعد حال ، فأوصاه في أمرهم . ومن قرأ ( هارون ) بالرفع فمعناه : قال هارون . قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ؛ أي لمّا انتهى موسى إلى المكان الذي وقّتنا له ، وأمرناه بالسّير إليه وهو مدين ، وقوله تعالى : ( وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) أي كلّمه من غير ترجمان ولا سفير ، كما كلّم الأنبياء على ألسنة الملائكة . فلما ناجاه ربّه استحلى كلامه ، واشتاق إلى رؤية ربه وطمع فيها ، ف قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ؛ أي أعطني أنظر إليك ، قالَ لَنْ تَرانِي ؛ ولست تطيق النظر إليّ في الدّنيا ، فمن نظر إليّ مات ، فقال : إني سمعت كلامك واشتقت إلى رؤيتك ، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحبّ إليّ من أن أعيش ولا أراك ، فقال اللّه تعالى : وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ؛ أي إلى أعظم جبل لمدين وهو جبل زبير ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي . قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ؛ أي ظهر له من نوره ما شاء ، ويقال ألقى عليه نورا من الأنوار ، جَعَلَهُ دَكًّا ؛ أي كسّره جبالا صغارا ، تقطّع الجبل من هيبة اللّه عزّ وجلّ ، فصار ثماني فرق ، أربع قطع منه وقعن بمكّة : ثور وثبير وحراء وغار ثور ، وأربع قطع وقعن بالمدينة : أحد وروق ورضوى والمهراس . وقوله تعالى : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ؛ أي سقط مغشيّا عليه ، فَلَمَّا أَفاقَ من غشيته ، قالَ سُبْحانَكَ ؛ أي تنزيها لك من قولي ومن كلّ سوء ، تُبْتُ إِلَيْكَ ؛ من مسألتي للرّؤية ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) من أهل هذا الزّمان إنك لا ترى في الدّنيا . وقال الحسن : ( قال اللّه تعالى لموسى : أعرض رؤيتي على الجبل ، فإن لم يحملها مع عظمه وبقائه على مرّ الزّمان ، فأنت أيضا لا تحملها ) « 1 » . قال : ( معنى قوله
--> ( 1 ) في الدر المنثور : ج 3 ص 543 ؛ قال السيوطي : ( ( أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس . . . وذكره ) ) .